| الفقه - فقه الشريعة |
الفتوى
أولا: تعريفها
بيان الحكم الشرعي في المسألة المعروضة، ولها أربعة أركان هي:
<- السائل: "المستفتي" هو صاحب السؤال.
<- المسؤول: "المفتي" هو المجيب عن السؤال.
<- العملية: هي الإفتاء.
<- المضمون: الفتوى.
ثانيا: أهميتها
1. بيان حكم الشرع في مسألة ما ﴿...فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل، الآية 43].
2. إقامة الحجة على الناس بعد السؤال والاستفتاء.
3. علاج قضايا العصر ورفع الحرج عن الناس، فالفتوى تستجيب لمستجدات الزمان ومستحدثات الإنسان، وهي بذلك تتغير كما يقول ابن قيم الجوزية في "إعلام الموقعين": فصل تغير الفتوى واختلافها حسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد: [هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجد من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه...].
ثالثا: منزلتها
1. هي منزلة عظيمة وخطيرة فهو منصب تولاه الله بنفسه، فهو أول المفتين، قال تعالى:
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ...﴾ [سورة النساء، الآية 176].
2. منصب تولاه الرسول صلى الله عليه وسلم بمقتضى الرسالة ﴿...وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ...﴾ [سورة النحل، الآية 44].
3. المفتي وارث للنبوة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورّثوا العلم) [رواه أبو داود].
فتاوى العلماء توقيع عن رب العالمين، قال ابن القيم في "إعلام الموقعين": [إذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكر فضله... فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟]، فالمفتي هو المخبر عن الله.
رابعا: تعظيم السلف الصالح للفتوى
<- قال عمر بن الخطاب: [أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار].
<- سئل الشعبي عن مسألة، فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تستحي من قول لا أدري وأنت فقيه العراق؟ فقال: لكن الملائكة لم تستح حين قالوا: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة البقرة، الآية 32].
<- قال ابن أبي ليلى: [أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسْأل أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول، وما منهم من أحد يحدث بحديث أو يسأل عن شيء إلا ود أخاه كفاه].
<- سُئلت عائشة أم المؤمنين عن مسح الخفين فأجابت: [سل عليا فإنه أعلم مني، وهو كان يسافر معه].
<- قال الإمام مالك: [من سئل عن مسألة، فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها].
<- سئل أحد العلماء فقيل له: سؤال خفيف، فقال: أغفلت عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [سورة المزمل، الآية 5].
خامسا: المفتي (أحكامه)
أ- شروطه:
1. أن يكون مسلما.
2. أن يكون مكلفا بالغا عاقلا.
3. أن يكون عالما، ومن أفتى بغير أهلية فهو آثم.
4. أن يكون ورعا.
5. أن يكون عادلا في أقواله وأفعاله.
6. أن يكون حسن السيرة.
7. أن يكون ملتزما بالشورى لآل الرأي والعلم ﴿...فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [سورة الفرقان، الآية 59]، فمن شاور الناس شاركها عقولها.
8. أن يكون عارفا بأحوال الناس وبأعرافهم وعاداتهم التي استقرت عليها أمورهم.
ب- خصال المفتي (آدابه)
1. أن يكون ملتزما للمظهر الحسن.
2. أن يتسم بالحلم والوقار والسكينة.
3. أن يكون متريثا في إصدار الفتوى إلى غاية فهم السؤال والوقوف على ملابساته.
4. أن يطابق فعله قوله المفتى به.
5. أن يفتي في حال اعتداله حرصا على سلامة التفكير واستقامة الحكم، وهذا قياسا على حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان) رواه البخاري وأبو داود.
6. البيان الزائد على السؤال لتحقيق فائدة أكبر.
ج- أقسام المفتي:
1. المفتي المنتسب: المنتمي إلى مذهب أو مدرسة فقهية معينة.
2. المفتي المستقل (المطلق): هو الذي يستقل بادراك الأحكام الشرعية من غير تقليد وتقيد بمذهب معين.
د- أحكامه:
1. ضرورة بيان أدلة الفتوى وتعليل الأحكام.
2. ضرورة تحري أرجح الأقوال.
3. تجنب التشديد في أمر يسره الشرع: قال سفيان الثوري: [إنما العلم عندنا الرخصة عن ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد].
قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ﴾ [سورة الحج، الآية 87].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يسروا ولا تعسروا، بشروا ولا تنفروا) [رواه مسلم].
4. ضرورة تقيد المفتي بنص السؤال إلا في حالات منها:
<- أن يكون السائل متلبسا بمعصية ظاهرة أكبر من التي سأل عنها.
<- يمكن ترك محل السؤال إلى أمر آخر مرتبط به أنفع وأولى في مثل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية 189]، حينما سألوا: [ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يتم ثم يعود كما بدأ]، فأجيبوا ببيان النفع الحاصل لذلك.
5. ضرورة التزام الوضوح والدقة عند الإجابة، قال الإمام علي: [حدِّثوا الناس بما يعرفون (يفقهون) أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله؟].
سادسا: المستفتي
أ- أحكامه:
1. يجب عليه أن يلجأ إلى من هو أهل للفتوى ممن عُرف بذلك عن طريق التواتر أو الاستفاضة، والاستيثاق من الأهلية، قال تعالى: ﴿...فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [سورة الفرقان، الآية 59]
2. تقليد المفتي الميت: وله وجهان:
الأول: لا يجوز زوال أهليته بالموت.
الثاني: وهو الصحيح، يجوز ذلك لأن المذاهب والفتاوى لا تموت بموت أصحابها.
3. مذهب العامي مذهب مفتيه لأنه لا مذهب له.
4. عند اختلاف فتوى مفتيين نكون أمام خمسة أوجه (احتمالات):
الأول: يأخذ بأغلظها أخذا بالعزائم، ولأنه الأحوط، فيأخذ بالمنع دون الإباحة.
الثاني: يأخذ بأخفهما لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث بالحنيفية السمحة.
الثالث: يجتهد في الأوثق اجتهاد اختيار لا استنباط، فيأخذ بفتوى الأعلم الأورع.
الرابع: يسأل مفتيا آخر فيعمل بفتوى من يوافقه.
الخامس: يتخير فيأخذ بفتوى أيهما يشاء.
5. إذا استفتى فأفتي ثم حدثت له تلك الحادثة مرة أخرى فهل يلزمه تجديد السؤال؟ في الأمر وجهان:
الأول: يلزمه لجواز تغير رأي المفتي.
الثاني: لا يلزمه وهو الأصح لأنه عرف الحكم، والأصل استمرار المفتي به، فيستصحب بقاء الحكم كما كان.
6. للمستفتي أن يستفتي لنفسه أو عن طريق غيره شرط أن يكون أمينا.
7. تقديم المعطيات الصحيحة المتعلقة بالسؤال.
8. عدم رفض الفتوى ديانة إذا تعلقت بحكم شرعي ثابت، إذا أفتي بما شاء فرح، وإذا أفتي بما لم يشأ قدح في عدل الشريعة، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة النساء، الآية 65].
9. عدم جواز تتبع الرخص، قال العلماء: [من تتبع الرخص فقد اجتمع فيه الشر كله].
ب- آدابه:
1. السؤال عما ينبني عليه عمل، سئل النبي صلى الله عليه وسلم: (متى الساعة؟ أجابه: وماذا أعددت لها؟).
2. التزام الأدب عند السؤال لفظا وسلوكا.
3. التزام الوضوح عند السؤال مبنى ومعنى.
4. توجيه السؤال للمفتي الأسن عند تعدّد المفتين.
سابعا: الفتوى
أ- آدابها وضوابطها:
1. البيان وإزالة الإشكال.
2. الرفق بالمستفتي والصبر على تفهيمه الفتوى.
3. كتابة الفتوى بوضوح ودقة في المباني والمعاني.
4. تجنب الاختصار المخل أو التفصيل الممل.
ب- أحكامها:
1. ذكر الحجة والدليل.
2. ضرورة احترام قواعد الاستدلال:
<- احترام مبدأ الشرعية.
<- ضرورة تجميع النصوص الشرعية المتعلقة بموضوع الفتوى، مع مراعاة درجة الأدلة.
<- ضرورة المقارنة بين النصوص وإعمال قواعد الأصول.
<- مراعاة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال والعوائد والنيات.
| < السابق | التالي > |
|---|














